bidaro com بيدارو كوم
أهلاً وسهلاً بكم في
منتديات بيدارو
مع اطيب الأوقات
للأخوة الراغبين بالتسجيل
يرجى الأطلاع على التعليمات
مع التقدير ،،
goweto_bilobed goweto_bilobed goweto_bilobed
,, أهلاً بأخي وصديقي الإنسان، من كان ومن أين ماكان ,,
goweto_bilobed goweto_bilobed goweto_bilobed

شاطر
اذهب الى الأسفل
بيدارو العراق
بيدارو العراق
المشرف العام
المشرف العام

????? رحلة مع الأدباء .. ميخائيل شولوخوف

في الخميس 22 نوفمبر 2007, 7:45 am
الكاتب الروسي الكبير ميخائيل شولوخوف





الكاتب الروسي , كاتب رواية قصص الدون و أرضنا البكر .
و الحاصل على جائزة نوبل ميخائيل شولوخوف(1905 ـ 1984)


في 24 مايو ولد الكاتب الروسي العملاق ميخائيل شولوخوف( 1905-1984) صاحب رواية " الدون الهادئ" التي اعترف بها النقد كأعظم روايات القرن العشرين ، ومنح عنها الكاتب جائزة نوبل للأدب (1965)، ورواية (الأرض البكر) عن تجربة تحويل الريف الروسي إلى الزراعة الجماعية ، وفصول من رواية لم تكتمل عن حرب الشعب الروسي ضد الفاشية بعنوان " حاربوا في سبيل الوطن" ، والرواية القصيرة أو القصة الطويلة " مصير إنسان" .
تلك التحفة الصغيرة الهائلة العمق والألم والمأساوية ، ومن قبل ذلك مجموعة قصصية كبيرة شكلت بداية طريق شولوخوف الإبداعي بعنوان " قصص من الدون" عن الحرب الأهلية في روسيا ، التي عصفت بسهوب نهر الدون فيما عربد لهيبها في كل أنحاء روسيا المترامية وأهلكت وشردت ملايين البشر ودمرت الوشائج الاجتماعية للشعب الروسي وتقاليده القومية والدينية العريقة ، واتسمت بقسوة وعنف هائلين لم يسبق لهما مثيل .

على حدود المستحيل :

سارت حياة شولوخوف – وإبداعه- على الحد الفاصل بين الواقع والمستحيل، بل وكانت أحيانا تتجاوز هذا الخط ..فقد كان مستحيلا أن يتولى صبي في الرابعة عشرة من عمره قيادة تشكيل من الفرسان( الخيالة) يتجاوز تعداده المائتين ويقود رجالا أكبر منه سنا وأكثر خبرة لمطاردة فلول العصابات في سهوب الدون الفسيحة، ولحراسة وتأمين فرق مصادرة القمح من الفلاحين الأغنياء والمتوسطين لصالح الثورة. لكن شولوخوف فعلها ، لأن الزمن الذي كان يعيش فيه آنذاك كان زمن الثورة واجتراح البطولات وركوب صهوة المستحيل. ومن هذه التجربة المرة ، بل والفظيعة، ( صبي في هذه السن يهوي بسيفه على الرؤوس والأبدان فيمزقها والجميع من حوله ينشغلون بهذا " العمل" نفسه) تفجرت منابع الإبداع المأساوية في القلب الصغير، وظهرت إلى الوجود على مدي ثلاث سنوات(1923-1926) قصص الدون المذهلة والمفجعة والمشحونة بطاقة ألم عالية وفي نفس الوقت الممجدة لرومانسية الثورة والكفاح من اجل العدل الاجتماعي ولو بالخوض في بحار الدماء! وان المرء ليصاب بالذهول وهو يري هذه اللوحات الحية لفظاعات الحرب الأهلية مقرونة بروح الفكاهة والسخرية المميزة لأهالي الدون القوزاق ، مع صور تكاد ترتسم أمامك ملونة ومجسدة وعبقة لسهوب الدون بطبيعته الخلابة والتي تؤكد بجمالها الساحر مدي الوضاعة والوحشية التي يتردى فيها الإنسان، رغم أن شولوخوف ينجح بصدقه الفني وموهبته الجبارة( وهو آنذاك في التاسعة عشرة من عمره) في جذبنا إلى صف هؤلاء المناضلين القساة من اجل العدالة، .فقد كانوا قساة لأن الحياة كانت قاسية، وكان العالم كله ينهار، بعد مذبحة الحرب العالمية الأولي التي تجرعتها روسيا حتى الثمالة .
وكان مستحيلا أن يشرع شاب في العشرين من عمره (لم يحصل على تعليم جامعي ولا حتى على تعليم متوسط كامل ) في كتابة عمل روائي ملحمي ( الدون الهادئ) في أربعة مجلدات يتناول فيها أحداث الحرب العالمية الأولى في روسيا والثورة والحرب الأهلية من خلال قوزاق منطقة الدون وفي مقدمتهم بطل الرواية جريجوري ميليخوف. وما أن ظهر المجلد الأول من هذه الملحمة(1928) حتى ترددت على الالسن كلمة " مستحيل! "...كيف يكتب شاب عديم الخبرة هذه التحفة الهائلة؟ من أين له أن يلم بكل هذه الأحداث التي لم يشارك فيها؟ ( إذ كان عمره عند اندلاع الحرب العالمية تسع سنوات) وكيف لهذا المقاتل بالسيف ضد أعداء الثورة ( بعد قيامها) أن يقف في الرواية فوق الأحداث بل ويتعاطف مع بطلها الذي تمرد على الثورة وقاتل في صفوف أعدائها ؟
وكان مستحيلا أن تنشر بقية أجزاء الرواية ، وخاصة جزءها الثالث الذي يتناول أحداث انتفاضة قوزاق الدون ضد السلطة السوفييتية بسبب الأخطاء البشعة للقادة البلاشفة المحليين التي دفعت القوزاق إلى التمرد والانضمام إلى القوات المعادية للثورة. لكن ستالين تدخل وسمح بنشر ذلك الجزء . وكان مستحيلا أن ينشر الفصل الرابع والأخير من الرواية(عام 1940 أى أن نشرها استغرق 12 عاما) إذ تعالت الأصوات المطالبة بأن يتحول البطل جريجوري ميليخوف في نهاية الرواية إلى معسكر الثورة ويصبح شيوعيا ! لان المأزق الذي وقعت فيه آلة الدعاية السوفييتية أن ملايين القراء أحبوا ذلك البطل ميليخوف، وتعاطفوا مع آلامه، وبكوا على قصة حبه الماساوي ل" أكسينيا" .. فكيف يبقي جريجوري بعد كل هذا الحب الجماهيري في ضلاله وضياعه ؟ وكيف لا يرى هذا الأعمى طريق الحقيقة المفضي إلي السلطة السوفييتيةّ؟! ولكن شولوخوف صمد في وجه الضغوط ،وتحمل جفاء ستالين ولم يتراجع. وصدر الجزء الرابع وجريجوري ميليخوف يعود إلي ضيعته يعد أن فقد كل شيئ ، .يعود ليحمل ابنه على يديه ، راغبا في الاستقرار..
أما المستحيل نفسه فكان بقاء شولوخوف على قيد الحياة في تلك الفترة العصيبة، وهنا ايضا تدخل ستالين لإنقاذه من مخطط التصفية الذي دبرته أجهزة الأمن المحلية في منطقة الدون ....فعندما تمكن شولوخوف من الهرب إلى موسكو ومقابلة ستالين روى له ما حدث ، فجمع ستالين المكتب السياسي للحزب واستدعى قادة وزارة الداخلية وأجرى تطهيرات كبيرة فيها.


التصفية المعنوية :

بعد فشل مخطط التصفية البدنية تعرض شولوخوف للتصفية المعنوية بكل معنى الكلمة. وربما كانت تلك أقسى تجربة يتعرض لها أديب في حياته - وبعد مماته أيضا - فقد اتهموه بسرقة " الدون الهادئ" من كاتب روسي قوزاقي هو فيودر كريوكوف كان معاديا للثورة ولذلك جاءت رواية الدون الهادئ متعاطفة مع البيض ، ولو كان شولوخوف هو مؤلفها – كما قالوا- لجاءت الرواية متعاطفة مع الحمر ، أي مع الثورة التي قاتل شولوخوف في صفوفها صبيا . وامتلأت موسكو في نهاية العشرينات بالشائعات القوية عن الفضيحة الأدبية الكبرى التي تفجرت في الأوساط الأدبية وتعدتها إلى دوائر أوسع.. وصدق الكثيرون الوشاة، لأن الذهول الذي خلفته الرواية الهائلة أوجد تلك التربة التي يمكن أن تترعرع فيها أي كذبة...كان النجاح مدويا ، والمؤلف صغيرا وغير متعلم .. أفلا يكون قد سرقها فعلا من كاتب كبير قتل في الحرب الأهلية ووجدها شولوخوف في متاعه فاستولى عليها ؟ وسرعان ما انطلقت الشائعات من جديد بأن شولوخوف كان مفوضا للجنة أمن الدولة في الدون والقي القبض على أحد الضباط البيض وقتله ووجد في متاعه تلك المخطوطة فاستحوذ عليها. وكان شولوخوف يركض لاهثا بين دور الصحف والمجلات الأدبية في موسكو ليحاصر السنة النيران الحاقدة التي كانت تلتهم سمعته وكيانه وكل وجوده...وكلما حاصر حريقا هنا، أشعل الحاسدون حريقا آخر بكذبة أخري في مكان آخر... وأخيرا تمكن شولوخوف من دفع عدد من الكتاب الذين نشرت الرواية في مجلتهم( جماعة" راب" اليسارية) إلى إصدار بيان يكذب الادعاءات ويشهد بمرجعية شولوخوف...فلم يأبه به أحد . ثم تشكلت لجنة خاصة فحصت المسودات وتقصت الشائعات التي لم يقدم أصحابها حقيقة ملموسة واحدة ، وخلصت إلى أن شولوخوف هو مؤلف " الدون الهادئ" .
ولكن الحملة على " الدون الهادئ" لم تهدأ وانتقلت بعد ذلك بسنوات الى الخارج ، وحتى حصول شولوخوف على جائزة نوبل لم يخفف من الحملة ، بعد أن رفض شولوخوف الدفاع عن الكاتبين اليهوديين سنيافسكي ودانييل ، اللذين حكم عليهما بأحكام قاسية لنشرهما مؤلفاتهما في الخارج.. وللأسف فقد انضم الكاتب الروسي النوبلى الكبير الكسندر سولجينيتسين وهو في المهجر إلى هذه الحملة ( وإن كانت لسولجينيتسن دوافع أخري في مهاجمة شولوخوف)...ويورد الباحث الأدبي المعروف الدكتور فيلكس كوزنتسوف (مدير معهد الأدب العالمي بموسكو) في العديد من مقالاته وكتبه ، أسماء ل احصر لها للنقاد والباحثين الذين طعنوا في ذمة شولوخوف ، ويعدد أسماء الكتاب الذين يعتبرهم هؤلاء الباحثون المؤلفين الحقيقيين ل"الدون الهادئ"، ويستعرض "حججهم " بإسهاب شديد ويرد عليهم بإسهاب أشد، ويتصدى بصفة خاصة للباحث الاسرائيلي بار- سيللا الذي لا يكتفي بالتشكيك في تأليف شولوخوف للدون الهادئ ،ولكنه يفعل ذلك بوقاحة منقطعة النظير وعدوانية تفضحان حقده العنصري على روسيا والكتاب الروس .

المخطوطات لا تضيع! :

في رواية الأديب الروسي الكبير ميخائيل بولجاكوف الذائعة ( المعلم ومرجريتا) {ترجمها الزميل السوري يوسف حلاق} عبارة شهيرة : المخطوطات لا تحترق! كناية عن أن الأعمال الأدبية خالدة مع الزمن ، وفي حالة " الدون الهادئ" يمكننا أن نقول : المخطوطات لا تضيع ّ! فقد ضاعت مخطوطات "الدون الهادئ" بالفعل( وكان غيابها من الحجج الدامغة على أن شولوخوف ليس مؤلف الرواية) . كان شولوخوف يقيم في بلدته فيوشينسكايا ويأتي إلى موسكو لمتابعة نشر أعماله فينزل عند صديقه الاديب كوداشوف ، وعند هذا الصديق ترك شولوخوف مسودات الرواية( المجلدين الأول والثاني وأجزاء من الثالث ). وفي الحرب العالمية قتل كوداشوف ، كما دمر منزل شولوخوف في الدون أثناء الاحتلال الألماني...وفقدت المخطوطات ...ولم يهتم شولوخوف بالأمر، فقد كان مشغولا بكتابة روايته الجديدة عن الحرب الوطنية العظمى للشعب السوفييتي ضد ألمانيا الهتلرية....وبعد وفاة شولوخوف ضاع كل أثر للمسودات ، ولم يعد لدى المدافعين عن إبداع شولوخوف للرواية ما يستندون اليه في حين تصاعدت الحملة ضده في الخارجُ ثم انتقلت إلى الداخل مرة أخري مع عصر البيريسترويكا الذي اتسم بإعادة النظر في القيم القديمة وهدم ما قام عليه الوجدان الروسي .
ولكن المخطوطات لا تضيع ! لقد وجدها الأديب والناقد ليف كولودني عند إحدى قريبات كوداشوف التي رفضت أن تبيعها في الخارج رغم العروض المغرية من مؤسسة "سوثبي" للمزادات العامة للتحف الفنية. وهنا تدخل فلاديمير بوتين ( وكان آنذاك رئيسا للحكومة) وأمر بتدبير المبلغ المطلوب لشراء المخطوطات ثم أهديت إلي أرشيف الكاتب . وعكف كولودني على دراستها ، ثم تبعه كوزنتسوف ،وصدرت الأبحاث والتحليلات النصية التي تقطع بانتساب الملحمة الخالدة إلى الأديب العظيم.

الأديب والسلطان :

ظلت العلاقة بين الأديب والحاكم على مر العصور من القضايا المحورية التي تناولها الأدباء في أعمالهم، في حين خاض الكثيرون منهم هذه التجربة- المحنة وعاشوها بأعصابهم ، وأحيانا بدمائهم . وفي ظل الحكام الطغاة كانت هذه العلاقة تكتسب طابعا دراميا خاصا ، حتى لو كان الحاكم المطلق مثقفا. فالسلطة مفسدة، والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة. وماذا يستطيع الأديب أن يفعل في وجه الحاكم المستبد وجهازه القمعي ؟
وفي تاريخ الأدب الروسي واقعة معروفة عن موقف الشاعر الكبير الكسندر بوشكين من القيصر نيقولاي الأول عندما وقع تمرد الضباط النبلاء ( الديسمبريين) ضد القيصر عام1825 لإقصائه عن العرش وإقرار دستور ونظام برلماني ، وفشل الانقلاب ، وأعدم القيصر منهم من أعدم ونفى من نفى إلى سيبيريا. وكان بوشكين صديقا للكثيرين منهم ويشاطرهم أفكارهم. وكان آنذاك منفيا في ضيعة أهله بأمر القيصر، وعندما عاد بوشكين إلى العاصمة استدعاه القيصر وسأله مباشرة : خبرني يابوشكين.. لو انك كنت هنا آنذاك ( ويقصد أثناء التمرد) أين كنت ستكون؟ ودون تردد اجابه بوشكين: كنت سأبقى مع أصدقائي يا مولاي!( اذكر عندما رويت هذه الواقعة لأحد الأصدقاء العرب أنه أدهشني باعجابه ليس بموقف بوشكين ، بل بالقيصر الذي لم ينكل بالشاعر على هذه الجرأة المتحدية، وأضاف الصيق : هل تتصور مثل هذا الموقف من حاكم عربي؟ ).


يتبع ...


عدل سابقا من قبل في الخميس 22 نوفمبر 2007, 8:23 am عدل 8 مرات
بيدارو العراق
بيدارو العراق
المشرف العام
المشرف العام

????? رد: رحلة مع الأدباء .. ميخائيل شولوخوف

في الخميس 22 نوفمبر 2007, 7:46 am
كان القيصر نيقولاي الأول هو الرقيب الأول على مؤلفات بوشكين، رغم إسناده دور الرقيب المباشر الى وزير داخليته الكونت بنكندورف..ولعب ستالين نفس الدور الرقابي مع شولوخوف ولكن من زاوية مختلفة.. فقد كان ستالين هو الرقيب الذي يتدخل للسماح بالنشر بعد أن تسد جميع الأبواب في وجه " الدون الهادئ " وتكال التهم للمؤلف بالانحياز إلى أعداء الثورة وتشويه الوقائع، والإعجاب بحياة وتقاليد قوزاق الدون الأغنياء الذين تمردوا على الثورة وحاربوا إلى جانب أعدائها...وكانت العلاقة الخاصة بين الزعيم الأوحد والكاتب الموهوب أشبه باللعبة الخطرة أو المقامرة التي كان شولوخوف يخوضها بشجاعة نادرة..كانت كلمة واحدة من الزعيم تكفي لمسح اسمه من سجل الأحياء.. ولكن ستالين لم يفعل ذلك. وكان يقرا كل ما يكتبه شولوخوف ، وعندما لا يعجبه موقفه الفكري كان يجادله وينصحه أن يغير النص. وقد قال ستالين لشولوخوف ذات مرة إنه يكتب عن معسكر البيض وجنرالاتهم بتعاطف( وهم الذين حاربهم ستالين) فقال شولوخوف : لقد كان بين البيض شخصيات قوية ، كان منهم الجنرال كورنيلوف الذي وصل إلى أعلى المراتب العسكرية رغم انه نشأ في عائلة فقيرة. وكان يشارك الجنود في الجبهة طعامهم، وعندما هرب من الأسر النمسوي حمل على كتفه أحد جنوده المصابين عدة كيلومترات ولم يتركه ليقع أسيرا . لم تعجب هذه الإجابة ستالين فرد بغضب: ولكن على الكاتب الاشتراكي أن يتسلح بالاختيار ويعرف ما الذي ينبغي أن يكتبه وما الذي لا ينبغي له أن يكتبه! أدرك شولوخوف أن اللعبة الخطرة وصلت إلى حافة الهاوية فلجأ إلى الدعابة التي كان بارعا فيها قائلا : ولكني لم أضع في الرواية ما قلته الآن! وذات مرة استدعي شولوخوف لمقابلة ستالين أثناء الحرب ، وكان قبلها قد شرب كثيرا فشم ستالين رائحة الفودكا ولم يعجبه منظر الكاتب الذي لم يكن قد عاد إلى طبيعته ففاجأه بقوله : يقال يا رفيق شولوخوف انك أصبحت تشرب الفودكا أكثر.. فرد شولوخوف متسائلا بعبث : اكثر من من يا رفيق ستالين؟.. وهنا أخفى ستالين ابتسامته في دخان غليونه واستأنف الحديث معه بلهجة أخرى...
ويبدو أن ستالين كان يحمل لشولوخوف شعورا خاصا ويقدر موهبته الفذة وتصويره الدرامي لأحداث الثورة والحرب الأهلية التي كان ستالين خير من يعرفها كواحد من قادتها الذين خاضوا غمارها. وحينما اشتدت الحملة على شولوخوف كتب ستالين رسالة إلى أحد الناشرين حول قضية أخرى، ولكنه أشار إلى خطأ الموقف من شولوخوف .. فهو في رأي ستالين لا يعادي الثورة، رغم انه ارتكب أخطاء كبيرة. وكانت هذه العبارة بمثابة ترخيص بمواصلة نشر الدون الهادئ...وعندما نوقشت مسألة منح جائزة ستالين في الأدب لشولوخوف عن هذه الرواية من كبار الكتاب أعضاء لجنة منح الجوائز، لم يكن هناك ميل لهذا الترشيح فقد كان معظمهم لا يحملون لهذا " القوزاقي المغرور" أي ود...ولكن ستالين قال ذات مرة قبل جلسة اللجنة: إن منح الجائزة هو من شأن الكتاب طبعا، ولكني كقارئ قد أعجبتني الرواية. وكان ستالين يعلم أن هذه العبارة ستصل حتما إلى سمع الكتاب أعضاء اللجنة ..وهذا ماحدث .. وقررت اللجنة بالإجماع منح الجائزة لشولوخوف!

الوجه الآخر للعملة :
ولكن سبل العلاقة بين شولوخوف وستالين لم تكن مفروشة بالورود. فقد داس الكاتب على الكثير من الأشواك التي أدمت روحه وقلبه... فاللرواية التي فازت بجائزة ستالين هي ذاتها التي منعت بعد ذلك من النشر سنوات طويلة.. ولم يشفع لشولوخوف أنه كتب رواية " الأرض البكر" عن تحويل الريف الروسي يشكل قسري وعنيف إلى الزراعة الجماعية، وقدم أبطاله في هذه الرواية كأشخاص مؤمنين كل الإيمان بأنهم يصنعون المستقبل المشرق...وصور مقاومة هذا التحول كعمل مضاد للثورة نظمته فلول أعداء السلطة السوفييتية الجديدة...ولم يشفع لشولوخوف أنه انضم إلى الحزب الشيوعي...لأن شولوخوف كان يستعصي على الترويض..وترك لنا رسائل جسورة كتبها إلى ستالين عن وقائع التعذيب البشع في أقبية أجهزة الأمن والتي رواها له أصدقاؤه الذين تمكن من انتشالهم من هناك بعد توسطه من أجلهم لدى ستالين . كتب شولوخوف إلى ستالين عن عائلات الفلاحين الفقراء الذين صادرت الأجهزة الحزبية مخزونهم من القمح،وكيف سيق هؤلاء التعساء إلى الخلاء في زمهرير الشتاء حيث أجبروا على الركوع على ركبهم العارية فوق الجليد...وكتب شولوخوف في رسالة إلى ستالين بتاريخ4 ابريل 1933 يقول : " لقد رأيت بعيني مالا يمكن نسيانه حتى الممات...كانت العائلات المطرودة من بيوتها يلقى بها في الزمهرير الذي تهرب منه حتى الكلاب طلبا للدفء . وكانوا يشعلون النار ويضعون أطفالهم الملفوفين في الخرق على الأرض التي ذابت قشرتها لأنها ادفأ من المواضع الأخرى..فهل يجوز امتهان البشر إلى هذا الحد؟ ".. وفي ختام الرسالة يكتب شولوخوف عبارة متهورة كان يمكن ببساطة أن تودي بحياته : " لقد اعتبرت انه من الأفضل أن اكتب لكم بدلا من أن أجعل من ذلك مادة للفصل الأخير من روايتي " الأرض البكر"!
كان شولوخوف يخوض معركته وحده وفي صمت. حتى رسائله هذه لم نعلم بها إلا منذ بضع سنوات فحسب ، وكان ستالين بكل جبروته هو الخصم والحكم.. والمأساة الحقيقية أن شولوخوف كان يخوض هذه الحرب لا ضد عدو طبقي داخلي أوخارجي ، بل ضد من ينتمي إليهم حزبيا وطبقيا! وكان لابد أن يترك هذا الصراع النفسي والمقامرة الخطرة في علاقته بقمة السلطة أثرهما في نفسية ومزاج الكاتب الكبير ، فاعتزل طويلا في بلدته الحبيبة، وبحث عن السلوى في الفودكا .
وفي عهدي خروشوف ، ثم بريجنيف زال الخطر والتوتر الذي كان يحكم علاقة شولوخوف بقمة الحكم ، ولكن في المقابل سادت اللامبالاة والإهمال للأديب الكبير.. ولم يكترث بريجنيف بالرواية التي أرسل شولوخوف مخطوطتها إليه (رواية " حاربوا في سبيل الوطن") فلم يرد عليه ، فألقي شولوخوف بالمخطوطة في النار. وفيما بعد لم ينشر منها إلا بعض فصولها...الشئ الوحيد ( والمشكور) الذي لم ترتكبه سلطة بريجنيف ضد شولوخوف أنها لم تضغط عليه ليرفض جائزة نوبل مثلما فعلت سلطة خروشوف من قبل مع بوريس باسترناك عندما فاز بالجائزة عام 1958 ...

تولستوي القرن العشرين :
كثيرا ما يقارن النقاد بين " الحرب والسلام " لتولستوي و" الدون الهادئ " لشولوخوف،فقد رسم تولستوي بانوراما عريضة للمجتمع الروسي في بداية القرن التاسع عشر عشية غزو نابليون لروسيا، وصور مقاومة الشعب الروسي وجيشه لهذا الغزو حتى تحرير الوطن وطرد الغزاة...وتحرك أبطال الملحمة على خلفية هذه الأحداث التاريخية الكبيرة ، مشاركين فيها مؤثرين ومتأثرين بها، وتابع تولستوي باقتدار مصائر أبطاله والتحولات النفسية الجذرية التي طرأت عليهم بعد خوضهم هذه التجربة الهائلة.
وقدم لنا شولوخوف بانوراما للأحداث الدامية التي عصفت بروسيا في مطلع القرن العشرين .. الحرب العالمية الأولى ثم الثورة الروسية الديمقراطية التي أطاحت النظام القيصري ، فالانقلاب البلشفي واستيلاء البلاشفة على السلطة في روسيا، وما أعقب ذلك من حرب أهلية طاحنة أودت بحياة الملايين من أبناء روسيا..وانتهت بانتصار قوات الجيش الأحمر على جيوش النظام القيصري وحلفائه الأجانب وفرض السلطة السوفييتية في كافة أراضي روسيا...وفي هذه الدوامة أو الإعصار الهائل الذي استمر اكثر من سبع سنوات بلا توقف تحركت الملايين ( وصل تعداد الجيش الروسي في الحرب العالمية الأولى إلى عشرة ملايين جندي وضابط) وسقط القتلى بمئات الآلاف وهرب من روسيا مع فلول القوات البيضاء المهزومة أكثر من مليوني روسي كانوا يمثلون صفوة الطبقة المثقفة . وعلى هذه الخلفية الرهيبة تحرك أبطال الدون الهادئ وتحددت أقدارهم. ويركز شولوخوف بصفة خاصة على منطقة الدون التي نشأ هو فيها كما نشأ فيها بطله ميليخوف ، ويقارن بين حياتها الوادعة الحرة قبل الحرب وبين ما أصبح عليه حالها بعد هذه الكوارث. وهذه البقعة التي كان يسكنها القوزاق ، الفئة التي تكونت تاريخيا من الفلاحين الروس الهاربين من ظلم الإقطاع ، نعمت بعد استقرار القوزاق فيها بالحرية ، وشكل القوزاق فصائل مسلحة من الخيالة . وحين عجز الحكم القيصري عن إخضاعهم قرر احتواءهم بالامتيازات والحكم الذاتي ومنحهم قدرا كبيرا من الحرية، واستغل في المقابل قدراتهم العسكرية فأناط بهم مهام حراسة حدود الدولة وقمع التمردات ضد الحكم. وكانوا يتمتعون بقدرة تعبوية هائلة ، فما أن يدوي نفير الحرب حتى يترك القوزاقي محراثه ويتقلد سيفه ويمتطي صهوة حصانه ويتجه إلى مركز التجمع المعروف سلفا، ومن البلدات والنجوع القوزاقية يتقاطر المئات من الفرسان ليشكلوا بعد ساعات قليلة الألوية القوازاقية الضاربة التي كانت تلقي بالرعب في قلوب الأعداء..وأصبح القوزاق دعامة الحكم القيصري في مواجهة أعدائه الداخليين ( الثوار الاشتراكيين) والخارجيين ، فحقد عليهم البلاشفة ونكلوا بهم أبشع تنكيل بعد أن انتفض القوزاق ضد القادة البلاشفة المحليين أثناء الحرب الأهلية، وصدرت الأوامر من موسكو بتصفيتهم بدنيا كفئة اجتماعية رجعية معادية للثورة ! ولم يعودوا للظهور إلا بعد صدور قانون رد الاعتبار للشعوب والفئات المضطهدة في الماضي الذي صدر في بداية التسعينات .
عن هذه الأحداث الكبرى كتب أدباء روس كبار... كتب الكسندر سولجينييتسين ملحمته التاريخية " العجلة الحمراء" في عشرة مجلدات..ومن قبله كتب اليكسي تولستوي ثلاثية " درب الالام" حيث تابع مصير أبطاله من المثقفين أساسا ومن أبناء الطبقة الموسرة عبر الحرب الأولى والثورة والحرب الأهلية وتحولهم بتأثير الأحداث إلى صف السلطة الجديدة....وكتب مكسيم جوركي ملحمة " حياة كليم سامجين" ( المثقف المتردد الذي شارك في الثورة الروسية الأولى 1905 ) .. وكتب بوريس باسترناك رواية " دكتور جيفاجو" عن الطبيب المثقف لكن المنتمي إلي المعسكر المضاد للثورة....ويرى الناقد المعروف فلاديمير بوندارنكو أن القرن العشرين في الأدب الروسي كان قرن شولوخوف ، ويعتبر أن تأثيره كان هائلا على من عاصره ومن جاء بعده من الكتاب الروس . ويرى الكاتب اليساري ادورد ليمونوف أن شولوخوف كاتب عظيم يضارع جابرييل جارسيا مركيز الذي كتب عدة روايات ملحمية في غاية الأهمية لفهم أمريكا اللاتينية ، وأن شولوخوف الذي يعد في غاية الأهمية بالنسبة للوعي الروسي بالذات ، مهم أيضا للعالم كله . إنه يواصل تقاليد الروايات الملحمية، وبعد " الحرب والسلام" يأتي " الدون الهادئ" .هذا أمر لاشك فيه ولا مفر لأحد من الاعتراف به ، إنها رواية هائلة. والان لم يعد هناك كتاب من حجم شولوخوف .
قال الأديب فيدور دوستويفسكي عن رواية " دون كيخوت" للكاتب الاسباني سرفانتس: " لو أن البشرية جاءت إلى الرب يوم القيامة حاملة هذه الرواية لغفر لها ذنوبها ! ولو أن دوستويفسكي كان حيا وقرأ "الدون الهادئ" لسالت دموعه ألما وشفقة على أبطال الدون الذي عصفت به الأنواء ، وعلى ميخائيل شولوخوف الذي عاش وأبدع في أقسى الظروف ، دون أن يحول شئ بينه وبين قلمه .


للدكتور أبو بكر يوسف
الرجوع الى أعلى الصفحة
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى