bidaro com بيدارو كوم
أهلاً وسهلاً بكم في
منتديات بيدارو
مع اطيب الأوقات
للأخوة الراغبين بالتسجيل
يرجى الأطلاع على التعليمات
مع التقدير ،،
goweto_bilobed goweto_bilobed goweto_bilobed
,, أهلاً بأخي وصديقي الإنسان، من كان ومن أين ماكان ,,
goweto_bilobed goweto_bilobed goweto_bilobed

شاطر
اذهب الى الأسفل
بيدارو العراق
بيدارو العراق
المشرف العام
المشرف العام

????? رحلة مع الأدباء .. بابلونيرودا

في السبت 17 نوفمبر 2007, 5:15 pm
رحلة مع ..

بابلونيرودا الشاعر الحب والأرض والإنسان المهان

كانت مهمته الشعرية الأولى إحياء ماضي أميركا وأشيائها، وإضفاء طابع التطلع الثائر لشعبها المهان. وإذا ما تفحصنا القسم الأول من شعره تكشَّف لنا عن حزن وكآبة عميقين لا يتقاربان إلا بضياع الصوت الفرد في التحسر العام، ولا يتجليان إلا بسطوع الصوت المتفرد وسط الجلبة الإنسانية.‏
وقد قاده الحب في مجاهل العالم إلى اكتشاف المجهول في الإنسان، واكتشاف حقيقة العمل والألم الخلاَّق. فكان أن انبعثت الحياة في وعيه، داعياً الإنسان الذي يهدم والذي يبني على السواء، إلى إعادة النظر في ما يهدم وفي ما يبني دونما توهم، موقظاً في الجهد عين الوعي المخدر، محرضاً في الوعي طاقات الخصب الهاجع.‏
تلكم هي قصة بابلو نيرودا، شاعر الحب والأرض والإنسان المهان في كل مكان.


فمن هو بابلو نيرودا ؟‏

في الثاني عشر من شهر حزيران سنة 1904 ولد ريكاردو نفتالي رييس في بلدة بارال، الشيلي، وفي شهر آب من السنة ذاتها توفيت أمه، المدرسة، روزا بازولتو دي رييس.‏
وفي سنة 1906 تزوج والده ثانية من الدونا ترينداد كنديا، وأقام الجميع في مدينة ثوميكو.‏
وفي سنة 1910 أدخل ريكاردو المدرسة.‏
وفي سنة 1917 نشر الصبي أولى قصائده في صحيفة "الصباح" الصادرة في توميكو. ثم أخذ منذ ذلك الحين ينشر العديد من القصائد في الصحف الأدبية، وقد نال عدة جوائز.‏
وفي سنة 1920 اتخذ لقب بابلو نيرودا. وظفر بجائزة عيد الربيع في توميكو.‏
وفي سنة 1921 انتسب إلى جامعة سانتياغو حيث درَّس التربية باللغة الفرنسية. وراح يسهم في تحرير مجلة "الضياء"، التي أنشأها اتحاد الطلاب في توميكو.‏
في سنة 1923 نشر مجموعته الشعرية "الغسق".‏
وفي 1924 نشر مجموعته "عشرون قصيدة حب وقصيدة يائسة". كما نشر صفحات مختارة لأناتول فرانس.‏
وفي سنة 1925 رئس تحرير مجلة "كابالودي باستوس".‏
وفي سنة 1926 نشر "محاولة الإنسان اللامتناهي"، و"أنيلوس"، و"الساكن وأمله".‏
وفي سنة 1927 عين قنصلاً للشيلي في رانغون، حيث تمكن من زيارة كثير من المدن. كما عين قنصلاً في سيلان، ثم في باتافيا وسنغافورة سنة 1930 حتى 1932.‏
وفي سنة 1933 نشر مجموعته "الإقامة في الأرض" وعين قنصلاً في بيونوزايرس حيث تعرف بالشاعر الإسباني فيديريكو غارسيا لوركا.‏
وفي سنة 1934 عين قنصلاً في بارشلونا. ونقل إلى مدريد وألقى أولى محاضراته وفي جامعتها وقد قدمه لوركا.‏
وفي سنة 1935 نشرت "الإقامة في الأرض" في مدريد. وكرِّم الشاعر من قبل شعراء إسبانيا.‏
وفي سنة 1936 نشر في مدريد "عشرون قصيدة حب". وفي 18 تموز من تلك السنة قَتل الفاشيست الشاعر لوركا في مدينة غرناطة. و عندئذ بدأ نيرودا في نظم مجموعته "إسبانيا في القلب" التي نشرت سنة 1937. وقاد مجلة بعنوان "شعراء العالم يدافعون عن شعب إسبانيا".‏
وفي سنة 1937 ألقى محاضرة عن لوركا في باريس. واشترك في مؤتمر الأمم الأميركية، وفي مؤتمر الكتاب الثاني في مدريد وباريس. وعاد إلى الشيلي ليؤسس تحالف المثقفين في الشيلي للدفاع عن الثقافة.‏
وفي سنة 1938 توفي والده في توميكو. وقد ترجم أراغون ولويس بارو ديوانه "إسبانيا في القلب" إلى الفرنسية. وأسس مجلة "فجر الشيلي". وألقى عدة محاضرات في أنحاء البلاد.‏
وفي سنة 1939 عين قنصلاً للهجرة الإسبانية في باريس، وبفضله جاء الشيلي زهاء 2500 مهاجر من الجمهوريين الإسبان ـ وفي شهر آذار من السنة ذاتها نشر "السخط والمشقات" كما ترجم إيليا اهرتبورغ "إسبانيا في القلب" إلى الروسية.‏
وفي سنة 1940 عاد إلى فلباريزو، ونظم عدة مقاطع من "النشيد الشامل". وعين قنصلاً عاماً في المكسيك.‏
وفي سنة 1941 نظم قصيدته "نشيد إلى بوليفار" وزار غواتيمالا. ومنح الدكتوراه الفخرية من جامعة ميشواكان.‏
وفي سنة 1942 زار كوبا. ونشرت قصيدته "نشيد إلى ستاليننغراد في المكسيك".‏
وفي سنة 1943 نشر قصيدته "أغنية حب جديدة إلى ستاليننغراد". وزار أميركا الجنوبية.‏
وفي سنة 1944 نال جائزة بلدية سنتياغو.‏
وفي سنة 1945 انتخب شيخاً في انتخابات آذار، ونشر قصيدته "تحية إلى الشمال، وإلى ستاليننغراد"، ,فاز بجائزة الأدب الوطنية. وانتسب إلى الحزب الشيوعي الشيلي.‏
وفي سنة 1946 اعترف رسمياً باسمه: بابلو نيرودا.‏
وفي سنة 1947 نشر كتاب "الإقامة الثالثة" ثم لوحق في الشيلي بسبب قصيدته "رسالة حميمة إلى ملايين الناس" التي نشرتها صحيفة "الوطني" في مدينة كاراكاس.‏
وفي سنة 1948 ألقى خطابه الشهير بعنوان "إني أتهم". وقد صدر أمر باعتقاله. فعاش متخفياً في الشيلي يكتب "النشيد الشامل".‏
وفي سنة 1949 خرج من الشيلي عابراً سلسلة جبال الكوردييري زاند، وحضر أول مؤتمر لأنصار السلم، حيث انتخب عضواً في مجلسه الوطني. وفي حزيران من السنة ذاتها شخص إلى الاتحاد السوفياتي وأسهم بالذكرى الـ 150 لولادة بوشكين. كما زار بولونيا والمجر.‏
وفي سنة 1950 نشر قصيدته الشهيرة "فليستيقظ الحطاب". ونال جائزة السلم في فرصوفيا خلال المؤتمر الثاني لمجلس السلم العالمي.‏
وفي سنة 1951 زار إيطاليا، والولايات المتحدة، وألمانيا، والصين الشعبية، حيث نظم ملحمته الشهيرة "رياح آسيا" وقد نقلها إلى العربية الدكتور ميشال سليمان وقدم لها عبد الوهاب البياتي.‏
وفي سنة 1952 نشر قصيدته "الريح وعناقيد العنب". وعاد إلى الشيلي عقب ثلاث سنوات من النفي. وبدأ ينظم "الأغاني الابتدائية".‏
وفي سنة 1953 حضر مؤتمر الثقافة في سنتياغو. ونشر مجموعته "كل الحب" ونال جائزة ستالين للسلم.‏
وفي سنة 1954 وهب جامعة الشيلي مكتبته، ونقلت قصائده إلى اللغة الإيطالية من قبل سلفاتور كوازيمودو.‏
وفي سنة 1955 أسس "مجلة الشيلي" ونشر "أغنية إلى فن الطباعة". ونقل جملة من قصائده إلى الألمانية ستيفان هرملن.‏
وفي سنة 1956 نقل أرثور لوند كفيست مجموعة من شعره إلى اللغة الأسوجية.‏
وفي سنة 1957 رئس جمعية كتاب الشيلي وكتب "مئة أغنية حب".‏
وفي سنة 1958 ساح في أوروبا وأميركا. ونظم "إبحار وعودة". وترجم أدولف كروبا "النشيد الشامل" إلى التشيكية.‏
وفي سنة 1960 زار كوبا، ونظم 42 قصيدة عن الثورة الكوبية وزار باريس وكتب قصيدته "الفيضان الكبير".‏
وفي سنة 1961 زار كوبا ثانية، والمكسيك متدخلاً للإفراج عن صديقه الفنان سيكيروس. ثم عاد إلى الشيلي واستقر في منزله المسمى "سيباستيانا". ونشر "حجارة الشيلي". وأصدر الناشر "لوزاندا" النسخة المليون من مجموعته "عشرة قصيدة حب وقصيدة يائسة". وفي فرنسا ترجمت أليس غسكار إلى الفرنسية "كل الحب".‏
وفي سنة 1962 نشرت بطبعة أنيقة مجموعته "سلطات مطلقة". وانتخب عضواً في أكاديمية كل الفلسفة والتربية في جامعة الشيلي.‏
وفي سنة 1965 أسهم في المؤتمر العالمي للكتاب الذي عقد في برلين فيمار.‏
وفي سنة 1971 عين سفيراً للشيلي في باريس.‏
وفي 21 تشرين الأول من السنة ذاتها نال جائزة نوبل للأدب، بوصفه "شاعر الكرامة البشرية المنتهكة" على حد تعبير الدكتور كارل راغنار غيرو، رئيس أكاديمية اسوج، مانحة الجائزة.‏
ذلكم هو بابلو نيرودا، وهو في هذا العصر فرد من زوج ثانيه ناظم حكمت، تمثلا تجارب الإنسان في كل مكان، ودمجاها بتجاربهما الخاصة، فجاءت على لسانيهما آيات من الشعر الإنساني المثقل بالهم الوجودي والمرهق بالتحولات والعظائم.‏
يبادر بالتحية قائلاً لزواره :
"إني أدعى بابلو‏
لم أتبدل حتى الآن‏
لي حب، وعندي شكوك‏
وعلي ديون‏
وعندي بحر شاسع مع موظفين‏
يحركونه موجة إثر موجة‏
وبي من التقلبات‏
بحيث أزور أمماً لم تولد بعد‏
وأروح وأجيء عبر البحر وبلدانه‏
إني أعرف لغة الشوك‏
وسن السم القاسي‏
ورعشة المناخات‏
ودم الصدفة‏
وليل الحوت الأليل‏
لأنني من أرض لأرض‏
عبرت مصبات أنهار‏
ومناطق لا تحتمل‏
وكنت أعود دائماً‏
بدون طمأنينة ولا مهادنة‏
فماذا بمقدوري أن أقول‏
لولا جذوري؟".


تطور شعر نيرودا

إن موقف نيرودا من الطبيعة على اختلاف مظاهرها، ليسمح بفهم تطور شعره، ويبين مراحل مسيرته الطويلة منذ "الإقامة في الأرض" حتى "النشيد الشامل"، وأنها لمراحل تندمج فيها جدلية الرفض، والتماثل والتحول، وردود الفعل الدفاعية لدى شاعر خلاَّق ضد الشعر القائمة غايته بذاته.‏
فمنذ فتوته عرف نيرودا التطواف في القارات والبلدان. وكانت محط رحاله الأولى، إسبانيا التي غناها أروع أشعاره الصارخة بالتمرد والنقمة: "تعالوا انظروا الدم في الشوارع‏
تعالوا انظروا‏
تعالوا انظروا..."‏
فبهذه الصيحة طرح نيرودا الشاب الصوت على الدنيا، وحملها على سماع كلمات تزهر وروداً حمراء في قلب النار والبارود، وذلك في قالب ملحمي جديد، إطاره بلاغة آخاذة، ورموز غنائية تضارع الخلق الكبير.‏
ومنذ ذلك الحين أصبح الشعر عنده وسيلة لمخاطبة الناس، ولغة مباشرة ينبغي أن يدركها الجميع، حتى الذين لا يفهمونها فهماً عفوياً:‏
"أنا أكتب للشعب‏
برغم كونه لا يستطيع بأعينه الهلكى‏
أن يقرأ أشعاري‏
ولكن ستأتي اللحظة التي يبلغ‏
فيها أسماعه‏
سطر هو الريح التي تزلزل حياتي‏
وعندئذ، سيرفع الفلاح الطيب‏
عينيه‏
وسيبسم العامل وهو يحطم‏
الأحجار‏
وسيغسل حامل المجرفة جبينه‏
وسيتملى الصياد ألقاً نابضاً من‏
السمكة التي ستحرق يديه‏
والميكانيكي المستحم بعطر الصابون‏
سيرنو إلى قصائدي،‏
وربما قالوا جميعاً:‏
لقد كان رفيقاً لنا‏
هذا يكفيني‏
إنه التاج الذي أشتهي‏
أريد أن يتحد شعري بالأرض‏
وأن ينصهر بالهواء، بانتصار‏
الإنسان المهان".‏
بهذا جعل نيرودا الشعر فعلاً، جماعياً، يتخذ مكانه في النضال، وفي تبديل العالم. وإذا كان قد توغل في كثير من قصائده، ومقاطعه، في عالم الفن المتصل بالسوريالية، فإنه إلى هذا، أخذ بمبدأ التبسيط الذي يضارع النثر حيناً. وذلك بمثابة استراحة يفزع إليها كلما أنس في قارئيه تعباً، أوشك أن يقتعد بهم مقعد العزوف عن الصعوبة المتصدية لفهمهم البسيط.‏
ومن هذا الواقع الذي حمل الشاعر على الاقتناع بأن الشعر جزء من الواقع وجزء من المصير، راح نيرودا ينشر كنوزه، منتقلاً من منفى إلى منفى، ومن بلد إلى آخر، حتى عرفته عواصم الدنيا: باريس، ولندن، وموسكو، وبيكين، وبراغ، وبرلين وسواهما. وقد أقام الشاعر معها جميعاً جسراً من الصداقة وهو يقول ممعناً في السفر والتجوال:‏
"لنستمر في رحلتنا لأن الحياة‏
مستمرة‏
وعندئذ‏
عبر البارحة واليوم وغداً‏
سيحضر النبيذ والزعفران المأدبة‏
فتلتمع الأسماك في جهاز عرسها‏
وفي الجو الأفريقي ترقص الأغطية".‏
لقد أكدت مادة العالم، فوق ذلك، حضور الشاعر العاطفي في دور الحياة والموت، وكان الحب ديدنه في صبوته وفي نشدانه اللحظة الماتعة على أنها لبانة العمر:‏
"المسام، والعروق، وأطواق‏
الحنان‏
الأثقال، والحرارة الصموت والسهام اللصيقة بروحك الساقطة كائنات هاجعة في فمك الغليظ غبار شحمة ناعمة محترقة‏
رماد مليء بنفوس منطفئة.‏
تعالي إلي، إلى حلمي اللامحدود‏
وانزلي في غرفتي حيث يهبط‏
الليل‏
ويهبط دونما هوادة مثل مياه‏
محطمة‏
وشديني بحياتك، وبموتك‏
وبموادك اللينة‏
بحماماتك الميتة والمحايدة‏
ولنصبح ناراً، وصمتاً، وضجيجاً‏
ولنحترق، ولنصمت، مع‏
الأجراس"3‏
إن علاقة الإنسان بالطبيعة لتبدو العمود الفقري لمجمل شعر نيرودا. فالأرض والإنسان والشعر جميعاً مرتبطة بقيود سحرية تجعل من موقف الشاعر بإزائها ظاهرة في الفن تسمح بفهم الشعر على نحو جديد، وتبين ما هو متداخل وتوحيدي في هذا التطور الغني الناهض من قاعدة فلسفية سياسية مدارها الإنسان، وصيرورته في المجتمع لا خارجه، ووجوب تحسينهما:‏
"أيها الليل، أيها الإعصار الميت‏
زحلق حممك السوداء‏
إن فرحي ليعض مدادك‏
ونشيدي الرجولي البهيج يرضع‏
نهودك الصلبة‏
وقلبي يتسلق خيوطك الحديدية‏
إني، ساخطاً، أحتضن قلبي‏
الراقص‏
قلبي الراقص في الرياح التي‏
تنظف لونك‏
الراقص المنذهل في المستنقعات‏
الكبيرة‏
التي تؤذن بسطوع الفجر"
ففي هذا الإطار الشعري، ثمة عملية جدلية قوامها الرفض، والتحول الواعيين المتمثلين على أروع ما يكون في "النشيد الشامل" ملحمة أمريكا المقاتلة، التي يبحث الشاعر دائماً عن أرضها البكر ليغرز فيها جذورها، وشفيعه في ذلك حب يتنسم بواسطته قمم "ماشوبيشو" ويغوص به إلى أعماق مملكة الأموات، ليعود برؤية جديدة للحياة، لواقع العمل والآلام، وعبودية الإنسان المهان والمنسحق تحت أحجار الجوع والفاقة. إلا أنه قادر على مخاطبة الدنيا بلسان الشاعر:‏
"أريد أن يكون لي الشوفان‏
والبرق‏
في أعماق البشرة..‏
وقلب كرز حزيران‏
وراحة البطون المتثقلة المحترقة‏
بدون اتجاه‏
ولكن، تنقصني أرض كلسية‏
ودموع‏
ونافذة، حيث أنتظر الموجة".‏
فمن هذه المخاطبة الحميمة راح نيرودا يخاطب الدنيا قاطبة. يقول في إحدى محاضراته:‏
"لقد كنت رجلاً سعيداً. وقد عرفت أخوَّة إخواننا، كما عرفت نشاط الحياة الرائع. إن معرفتنا حب أولئك الذين نحبهم لهي نار تغذي حياتنا. إن شعورنا بحنان من نعرفهم، ومن نجهل، وهم الذين يسهرون على أحلامنا ووحشتنا، ومخاطرنا وفشلنا، إنما هو شعور أعظم وأجل، لأنه يغمر ذاتنا ويمتد إلى الذوات الأخرى.‏
أجل إن نيرودا لسعيد، وسعادته نابعة من كونه ربط مصيره بكل ما هو نام في الحياة ومتقدم، ومجابه، وغلاَّب. لقد شد ذاته بذاته الكادحين المناضلين في كل العالم. وغنى جراحهم، ومآسيهم، وانتصاراتهم. ومن "النشيد الشامل" إلى "عشرين قصيدة حب" إلى "إسبانيا في القلب" إلى "العناقيد والريح" إلى "رياح آسيا" وغيرها... صوت متعدد الأنغام يخترق كل الآذان، ويدخل كل القلوب بلا استئذان، ويبحث دائماً عن ترابة يغرق فيها جذوره.‏


يتبع ..


عدل سابقا من قبل في الأحد 18 نوفمبر 2007, 1:07 pm عدل 2 مرات
بيدارو العراق
بيدارو العراق
المشرف العام
المشرف العام

????? رد: رحلة مع الأدباء .. بابلونيرودا

في السبت 17 نوفمبر 2007, 5:18 pm
من حديث نيرودا

وحدَّث نيرودا مرة، قال: "على بحيرة (بودي) كان الصيادون يصطادون طيور البجع بشكل مفجع. كانوا يقتربون متخفين بقواربهم ثم ينطلقون بالمجاذيف بسرعة فائقة. ولما كانت هذه الطيور تطير متثاقلة، كان عليها أن تخفق في المياه قبل التحليق. وكانت ترفع جوانحها ببطء. وكان الصيادون يمسكون بها ويضربون أعناقها بالسكاكين الطويلة.‏
وذات يوم جاؤوني ببجعة أقرب إلى الموت منها إلى الحياة. كانت من ذلك النوع الفريد، ذي الرقبة السوداء الغارقة في ما يشبه الجورب الحريري. ولها منقار برتقالي، وعينان حمراوان. و غسلت جراح الطائر. وقدمت له كسيرات خبز. فلفظها جميعاً. وأخذ يلمس من تصرفي أنني منقذه. ولبثت على هذه الحال سحابة عشرين يوماً. وكانت البجعة على وشك الشفاء. ورحت أسبح وإياها في النهر. وذات يوم حملتها على صدري، وأنا في طريق عودتي إلى البيت. وساعتئذ شعرت بما يشبه الساعد الأسود يتزحلق على وجهي. كان ذلك عنق البجعة وهي تسقط إلى حيث لا نهوض.‏
وهكذا علمت بأن البجع لا تبلغ حالة الموت عندما تموت من الكآبة.‏
على هذا النحو اكتشف نيرودا الملح الذي بدونه لم يكن ثمة خبز شعري يؤكل في هذا الزمان. ومع ذلك لم ينته عنده أي شيء. فهو يردد:‏
"لا وقت لدي فيما يتعلق‏
بآلامي الخاصة"‏
وهو يضيف:‏
"الحقيقة أعلى من القمر".‏
ويصور أيضاً:‏
"العالم بلون التفاحة"‏
وينشد قائلاً:‏
"إني أحب نشيد الناس الأعمى‏
وضجة الملح التي تصدم‏
جدران الفجر المحتضر".‏
ويبوح بسره هامساً:‏
"إني أسمع، وأرى‏
نصف روحي على البحر‏
والنصف الآخر على الأرض‏
والنصفان ينظران إلى العالم".‏
ولكي نعيش في أجواء الشاعر الكبير، ونلمس شغفه بالحياة الذي يضارع العبادة، فلنقرأ له هذه الباقة المعطار من قصائده:‏
1ـ إني أطلب الصمت‏
أما الآن فدعوني وشأني‏
وافعلوا ما شئتم في غيابي‏
أود أن أغمض عيني.‏
لا أبغي سوى أشياء خمسة‏
خمسة جذور أثيرة‏
أولها، حب بلا نهاية.‏
ثانيها رؤية الخريف.‏
لا أستطيع أن أعيش دون أن أرى‏
الأوراق تدور وتتساقط على الأرض.‏
ثالثها، رؤية الشتاء الباهظ‏
المطر الذي أحببت‏
ومداعبة النار في برد الغابة‏
رابعها، رؤية الصيف‏
مستديراً كما رأس البطيخ‏
خامساً رؤية عينيك‏
ماتيلد، حبيبتي‏
لا أريد النوم بدون عينيك‏
لا أود أن أكون بدون نظرتك‏
لأكيفنَّ الربيع‏
كيما تقتفي أثري بنظراتك.‏
أيها الأصدقاء، هذا كل ما أبتغي‏
يكاد يكون لا شيء‏
ويكاد يكون كل شيء‏
أما الآن، تفضلوا ودعوني لوحدي.‏
لقد بلغت من العمر بحيث ينبغي‏
أن تنسوني ذات يوم‏
أن تمحوا اسمي عن اللوح:‏
كان قلبي بلا حدود‏
ولكنني إذا ما طلبت الصمت‏
فلا يخامرنكم ظن أنني سأموت‏
العكس تماماً هو ما يحصل لي‏
يتفق أنني سأعيش.‏
ويتفق أنني موجود ومستمر الوجود.‏
ألا تبصرون فيَّ، ومني‏
تنمو الغلال‏
الحبوب في بادئ الأمر‏
تفتق الأرض لتبصر النور‏
لكنها مظلمة هذه الأرض الأم:‏
ومظلمة هي أحشاؤها:‏
إني أشبه ببئر‏
تقطف نجوم الليل‏
التي وحدها عبر الحقول‏
تتابع طريقها‏
وبقدر ما عشت أريد أن أعيش‏
هذه بغيتي.‏
لم أشعر بعمق رنيني شعوري اليوم‏
ولم أشعر في كوني مغموراً بهذا القدر‏
من القبل.‏
الوقت ما زال مبكراً.‏
شأنه في ذلك دائماً‏
الضوء يطير مع نحلاته.‏
دعوني وحيداً مع النهار‏
أرجوكم دعوني أولد.‏
2ـ أمام رجل الطفل‏
رجل الطفل لا تعلم بعد أنها رجل‏
تريد أن تكون فراشة،‏
فراشة أو تفاحة.‏
ولكن منذ ما تبدأ في الخطو‏
تعلم الشوارع والأدراج‏
الزجاج والحجر‏
الأزقة الصلفة‏
تعلم الرجل أنها عاجزة عن أن تطير‏
إنها لا تقدر أن تتدور ثمرة في الغصن‏
وعندئذ انهزمت رجل الطفل‏
سقطت في المعركة‏
أضحت أسيرة‏
مقضياً عليها أن تعيش طريدة.‏
ورويداً رويدا‏
بدون ضوء‏
عرفت العالم على طريقها‏
جاهلة الرجل الأخرى، المغلقة‏
المكتشفة العمياء للحياة.‏
تلك الأظافر الطرية‏
عناقيد الصوان‏
تدركها القساوة‏
تصبح مادة كثيفة، صلبة،‏
زاوية حادة‏
وتويجات الطفل الصغيرة‏
المسحوقة، المختلَّة‏
تتخذ شكل أفاع بلا عيون‏
وديدان برؤوس مثلثة الزوايا.‏
ثم تتصلب من جديد.‏
وترتدي‏
براكين موت دقيقة‏
وخشونة مفرطة‏
لكن أعمانا هذا مشى‏
دونما هوادة، ودونما كلل‏
ساعة عقب ساعة‏
مشت هذه الرجل وتلك‏
تارة رجل رجل‏
تارة رجل امرأة‏
مشت من فوق ومن تحت‏
خلال حقول ومناجم‏
ومتاجر ووزارات‏
مشت إلى الوراء‏
وفي الخارج‏
وفي الداخل‏
وإلى الأمام‏
دائماً منتعلة‏
عملت هذه الرجل‏
وكادت أن لا تكون‏
في وقت ما عارية‏
في الحب أو في الحلم‏
لقد مشت وحدها‏
ومشت جميعاً‏
إلى أن توقف الإنسان كتلة واحدة.‏
وعندئذ نزلت‏
إلى الأرض ولم تعلم شيئاً‏
ذلك لأن كل شيء كان مظلماً‏
ولم تعلم أنها كفت عن أن تكون‏
رجلاً.‏
لا تطير إذا دفنت‏
ولا تستطيع أن تصبح تفاحة.‏
3ـ الفارس وحيداً‏
الشبان الشاذون، والفتيات العاشقات‏
والأرامل اللواتي وقعن فريسة الأرق‏
الهاذي‏
والسيدات الشابات الحوامل منذ‏
ثلاثين ساعة خلت‏
والقطط المبحوحة التي تعبر بستاني‏
المظلم‏
صنو عقد انتظمته أصداف جنسية،‏
جميعها تدور حول مسكني المستوحد‏
مثل أعداء تحصنوا حول نفسي‏
وكمثل متآمرين بلباس الليل‏
يتبادلون القبل الطويلة العميقة على‏
إنها شارة المرور.‏
الصيف المتألق يقود العشاق‏
المرتدين أزياء جيوش حزينة‏
مكونة من أزواج هزيلة وسمينة‏
فرحة، وحزينة‏
تحت أشجار جوز الهند الأنيقة‏
قرب الأوقيانوس والقمر‏
حيث ثمة حياة دائمة من سراويل وتنانير‏
وجلبة جوارب حريرية قيد المداعبة‏
ونهود نساء تلتمع كالعيون‏
الموظف الصغير، بعد مدة طويلة‏
عقب القرف الأسبوعي‏
وإثر الروايات التي يقرأها ليلاً في سريره‏
قد أغوى جارته بشكل نهائي‏
وقادها إلى المصورين السينمائيين‏
الرخاص‏
حيث الأبطال خيول أو أمراء عاشقون،‏
ويداعب فخذيها المكسوتين بالوبر الناعم‏
ويديها الحارتين الرطبتين‏
اللتين تفوح منهما رائحة التبغ.‏
إن أماسي الغاوي وليالي الأزواج‏
لتلحدني مثل لحافين ينقفلان.‏
وتلحدني أيضاً الساعات التي تعقب‏
الفطور‏
حيث الطلاب: فتيات إلى فتيان‏
وحيث الحيوانات تتبرَّم بلا مواربة‏
وحيث للنحل رائحة الدم‏
وحيث الذباب يدندن غاضباً‏
وحيث أبناء العم يلاعبون بنات عمهم‏
ألعاباً غريبة‏
وحيث الأطباء ينظرون بغضب إلى زوج الشابة العابرة‏
وحيث الأستاذ في سويعات الصباح‏
يتمم واجبه الزوجي، ويفطر، وكأنه‏
لم يفكر.‏
وفوق ذلك: العشاق المتحابون حباً‏
حقيقياً‏
فوق الأسرة العالية الطويلة الشبيهة‏
بالمراكب،‏
هذه الغابة الكبيرة تحف بي بشكل أبدي‏
هذه الغابة المتنفسة‏
التي في كل مكان منها‏
تنبت أزهار كبيرة مثل الأفواه والأسنان‏
وجذور سوداء بشكل الأظافر والأحذية.‏


الأديب السوري / ميشيل شليمان
عبدالله النوفلي
عبدالله النوفلي
المدير العام
المدير العام

????? رد: رحلة مع الأدباء .. بابلونيرودا

في الأحد 18 نوفمبر 2007, 4:55 pm
في عام ‏1968‏ مرض الكاتب بمرض أقعده عن الحركة فكتب لنا ديوان أيدي الأيام ثم أتحفنا برائعته السيف المشتعل عام ‏1970 ‏ ثم أحجار السماء في نفس العام وفي ‏21‏ أكتوبر عام ‏1971‏ فاز نيرودا بجائزة نوبل في الأدب وعندما عاد إلي شيلي أستقبله الجميع باحتفال هائل في استاد سانتياجو وكان علي رأس الاحتفال سلفادور الليندي الذي لقي مصرعه بعد ذلك علي يد الانقلاب الذي قاده بينوشيه وبعدها بأيام توفي نيرودا متأثرا بمرضه في‏23‏ سبتمبر‏1973*
الرجوع الى أعلى الصفحة
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى